مقالات

(5) مصر… في الحج

ومن هنا كانت الأهمية البارزة لموقع مصر المتميز والتي تظهر من أهمية الرسائل الأربعة التي حملتها مصر إلى العالم، من خلال أبعادها الاستراتيجة الأربعة في البعد الجغرافي وموقعه المتميز، والبعد الديني الذي يحمل مشاعل الهداية للعالمين والبعد الحضاري الذي كان بداية مفتاح العلم والمعرفة في العالم والبعد البشري الذي يمثل أم الدنيا.

هذه الأبعاد الأربعة، تتفوق على بعضها البعض الآخر ويتميز بعضها عن البعض الآخر، ولكنها تتساوى في القوة والمتانة وهذه الأبعاد لم يوضع في الاعتبار من قبل حاكميها إلَّا الفراعنة فسادوا بها العالم ودانت لهم الدنيا وأصبحوا القوة الأولى على وجه الأرض في زمنهم.

ومن هذه الأبعاد الاستراتيجية الحاسمة، كان موقع مصر ومكانتها ومكينها في العالمين، ومن هنا لم يكن غريبًا ولا عجيبًا أن يتجلى الله سبحانه وتعالى، بوجهه الكريم على جزء عزيز من أرض مصر في جبل الطور، الذي يعتبر أكثر الأماكن قدسية في العالم، عند حديث الله سبحانه وتعالى مع موسى عليه السلام نبيًّا ورسولًا، قال تعالى: “إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعلىكَ  إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى” (طه: 12).

وليس من الغريب ولا من العجيب، أن تسمى سورة في القرآن الكريم، باسم قطعة أرض عزيزة على مصر لا يحق لأحد التخلي عنها مهما كان الثمن، فكانت سورة الطور، وهي تشير إلى كل شبر من أرض سيناء العزيزة.

قال تعالى: “وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ” (الطور: 1- 7).

وتكرَّر ذكر الطور في الكثير من الآيات القرآنية، ففي جانب الطور الأيمن، نادى الله سبحانه وتعالى رسوله موسى عليه السلام وقربه إليه، وموسى نبي ورسول مصري من بني إسرائيل، قال تعالى: “وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا” (مريم: 52).

فضل الله ونعمه على بني إسرائيل

وذكر الله سبحانه وتعالى فضله ونعمه على بني إسرائيل بعد أن نجاهم من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وهي نعمة تستحق الشكر عليها، وزاد عليها نعمة المناجاة لموسى عند جانب الطور الأيمن، وزاد عليها نعمة المن والسلوى، فكانوا يأكلون دون مجهود منهم ولا تعب ولا مشقة.

قال تعالى: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا علىكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى” (طه: 80).

وذهب موسى عليه السلام إلى جبل الطور، وهو عائد من الشام في طريقه إلى مصر، من أجل الحصول على النار للتدفئة في ليلة شاتية وباردة هو وأهله، فإذا بها علامة ساقاها الله إليه لمناجاته وتجهيزه للرسالة، قال تعالى: “فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أمكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعلى آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” (القصص: 29).

ثم يذكر الله سبحانه وتعالى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بهذه المناجاة التي كلم  الله فيها موسى عليه السلام، تسلية له بعد عداوة قريش له، وتذكيره بعداوة فرعون لموسى، فربط بين فرعون مصر وفراعنة قريش برباط وثيق.

قال تعالى: “وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ” (القصص: 46).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالحديث عن سيناء وفي قلبها الطور آيات تتوالى تترا من قبل الله سبحانه وتعالى لتؤكد مكانة مصر في الأرض، وتربط بين فرعون مصر وفراعنة مكة برباط وثيق.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
« Browse the site in your preferred language »
إغلاق