مقالات

(8) الكلمة الفصل… في جمع القرآن الكريم

يظل الكون نموذجًا فريدا ومتحضرًا، ينظر إليه الإنسان، بإنبهار، ويثير الدهشة في فكرالعقلاء من البشر، لإنضباطه في سلوكه وإنضباط المخلوقات فيه، فهو متحكم في ذاته وأفعاله، بشكل مادي عقلاني ومعنوي نوراني، وهذه حالة تمثل قمة الطاعة والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى، في نطاق التسيير، بعد أن قبل الكون أن يكون مسيرًا وليس مخيرًا.

فما بالنا بالأثر الفعال، الذي يتركه القرآن الكريم، في كون مسير، هذه صفاته وتلك أفعاله، والمتفرد بها عن غيره من المخلوقات، في الانقياد في إطار من الصدق والأمانة، والشفافية والمصداقية، لا شك في أن سعادة الكون لا توصف، وفرحته الغامرة لا يمكن تصورها أو تقديرها أو الشعور بها وسروره البالغ، وانفعاله بحدث نزول القرآن الكريم، لا يتكرر، فيظل الكون نموذجًا يحتذى به، في الإقبال على الله والانقياد له والطاعة لأمره.

الكون متحكم في ذاته

فالكون متحكم في ذاته بشكل عقلاني، وفيه تطغى الفضيلة على الذاتية، وهي حالة كافية لنيل الكون السعادة، والذي تتلبسه حتى تصبح السعادة جزءًا من الكون وكيانه، ويصبح الكون مجسدًا فيه السعادة، التي ملئته عن آخره بعد نزول القرآن الكريم، فعاش الكون بسعادته الذاتية التي ذاب فيها، في نطاق التسيير، بعد أن حاز على الشيء القليل من ربه، بصفته كون مؤقت وله عمر افتراضي ينتهي بنهايته.

فإذا كان الفرح المادي، يعني انشراح الصدرالمعنوي بلذة مادية عاجلة مختلطة بالمعنوية الطاغية، فما بالنا بفرحة الكون وانشراح صدره بلذة مادية ونورانية دائمة لاتنقطع، بنزول القرآن الكريم، والذي سيظل مع الكون لحين انهياره واختفائه من الحياة، واختفاء الحياة به.

فإذا كان الفرح الذي يتحقق بحدوث طاعة لله،  أو بالحصول على نعمة من نعمه المادية ، مؤقت وزائل، فما بالنا بالفرح العارم، الذي عم ربوع الكون، بنزول القرآن الكريم، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) يونس 58.

ومن ثم فإن الفرح والبهجة والسعادة والسرور، يمثلون البعد الثالث في حياة الكون بعد الزمان والمكان، والذي امتزجت فيه المادة بالعاطفة، في طغيان الروح على المادة، في كل الأحوال، فلا تقتصر على الشعور بالابتسامة العريضة أو بالنشوة الغامرة، إنما هو خليط من هذا وذاك، وأكثر من هذا وذاك، بلا حدود للزمان ولا المكان.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق