مقالات

(5) الفراعنة… في القرآن الكريم

الفراعنة صنعوا من أنفسهم ملوك ولم يملكهم أحد لا السلطة ولا المال، فعاشوا فيه بضع سنوات حتى ولو كانت ثلاثة آلاف سنة، ثم انهارت حضارتهم على رؤسهم، على يد طفل من بني إسرائيل اختاره الله نبيًّا ورسولًا وأعطاه الآية في العصى التي هدمت حضارة الفراعنة، مع أنها فرع جاف من جذع شجرة، فدفنت حضارة الفراعنة عن بكرة أبيها، في البحر الأحمر، بعد غرق فرعون وجنده.

فكان الفراعنة مركز للحدث وصناعته وتدور حولهم الأشخاص أو تكون الأشخاص مركز للحدث وتدور حولهم الأحداث، ففرعون مصر حاكم ادعى الألوهية، فكان حدث هائل ونقلة نوعية في التفكير، لم يدعيه أحد من قبله ولا أحد من بعده.

فدار حوله هامان وقارون والملأ من القوم وكل الأحداث، التي كانت سببًا في انهيار الحضارة المصرية، وعندما حصلت مواجهة فكرية بين فرعون مصر وموسى وهارون عليهما السلام، دارت على مسارات الأحداث حول الأشخاص الثلاثة، بين فرعون الحاكم الظالم الطاغية، الذي ادعى الألوهية وموسى وهارون نبيين اختارهما الله لإنقاذ بني إسرائيل  من ظلم فرعون وحكمه ومناقشة فرعون في أمر الألوهية.

هل اتعظ ملوك مصر القدماء؟

فهل اتعظ الفراعنة في حياة فرعون؟.. وهل اتعظ كل الفراعنة الذي جاءوا من بعدهم، وسلكوا سلوك الفراعنة؟، حتى ولو لم يكون من سلالة وجنس الفراعنة، أم أنهم استمرأوا الظلم والطغيان والفساد في الأرض، حتى بعد انهيار حضارة الفراعنة، وبعد تتابع وانهيارحضارات كثيرة بعدهم، فانهارت على رؤوس أصحابها وما زالت الحضارات تنهار تباعًا، حتى الآن ولم يتعلم البشر الدرس.

وهل اتعظ بني إسرائيل مما حدث للفراعنة أم ما زالوا في طغيانهم يعمهون، وفي ظلمهم سائرون إلى أن يصدق عليهم الكتاب، فيحدث لهم مثل ما حدث الفراعنة، إنها الدنيا الدوارة،  التي لا ترحم أحد، خرج على طاعة الله، فلم ترحم الفراعنة ولن ترحم بني إسرائيل، فالعنصر المشترك في الهلاك واحد في العلو والاستكبار والخيرية، فجمع الله بين الشيطان والفراعنة وبني إسرائيل برباط وثيق في الصفات، التي طردتهم جميعًا من رحمة الله.

قال تعالى: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الأعراف: 167- 168).

لم تكن الخروقات التي أحدثها بني إسرائيل مع الله أقل حدة مما فعله الفراعنة، بالرغم من إنقاذ موسى عليه السلام لهم من بطش فرعون، بل كانت أكثر حدة وأشد عنفًا، فغالوا وادعوا كذبًا أن الله فقير وبني إسرائيل الأغنياء، مع أنهم أبناء واحفاد يعقوب عليه السلام، فما بالنا بغيرهم فلعنوا بما قالوا.

قال تعالى: “لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ” (آل عمران: 181).

مصير بني إسرائيل

فطال بني إسرائيل اللعن والطرد من رحمة الله، كما حدث مع الشيطان ومع الفراعنة وكما يحدث مع كل من يتطاول على حق الله في إدارة الكون والإنسان.

قال تعالى: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ” (المائدة: 78).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالعنصر المشترك بين الثلاثي الملعون في القرآن الكريم، كان العلو والاستكبار والخيرية، فجمع الله بين الشيطان والفراعنة وبني إسرائيل برباط وثيق في الصفات، التي طردتهم جميعًا من رحمة الله، وتطال كل من كان على شاكلتهم إلى قيام الساعة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق