مقالات

(76) خلق آدم من تراب… معجزة إلهية 

بعد عملية تبديل الكون القديم بكون جديد، يتم إنتاج إنسان أصلي بمواصفات جديدة داخل القبر، من جسد وروح، يختلف بشكل جذري عن الإنسان المؤقت القديم، تطغى فيها النورانية على الترابية، والروح على الجسد، حسب عمله في الدنيا، حتى يتمكن من العيش في الحياة الآخرة بمواصفات الآخرة.

فكل إنسان يعيش في الآخرة على قدر النور الذي أخذه معه في الدنيا بعد تقييم حالته، وإعطائه درجة نورانية، كافية كي تمكنه من العيش في نور الرحمن في الآخرة، غير ذلك لن يكون للإنسان مكان في الآخرة، إلَّا إذا تم تجهيزه بنور الإيمان في الدنيا.

ويتحكم في درجة استعلاء نورانية الإنسان على ترابيته في الدنيا، ذكر الله، الذي يرفع من مكانة الإنسان في الدنيا إلى مستوى الملائكة، فيكتمل نوره في الدنيا، قبل أن يذهب إلى الآخرة، وهذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أهمية ذكر الله في الدنيا.

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” (الأحزاب: 41- 42).

ترابية الإنسان ونورانيته

أمَّا إذا استعلت ترابية الإنسان على نورانيته، وقع في شباك الشيطان وحبائله، بعد نسيانه ذكر الله، فدخل في حزب الشيطان، بعد أن أصبح جنوده الطائعون، ففقد نورانية الدنيا.

قال تعالى: “اسْتَحْوَذَ عليهمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (المجادلة: 19).

فالإنسان واقع بين فكي كماشة، بين أصله النوراني المتعلق بالروح والشفافية، وقوة الإيمان بالله، فروحه تنتظر منه أن يرتقي بها إلى مستوى الملائكة، فيأخذ حظ الملائكة ويعيش مسيرًا في نطاق التسيير، مع أنَّه مخيرًا وواقع في نطاق التخيير.

وجسده الترابي متعلق بأصله الذي خلق من تراب، والذي يتميز بالمادية المعتمة وفيه الإنسان مخيرًا، والتي لا يوجد فيها بصيص من نور الإيمان، فجسده ينتظر منه أن يأخذ  حظه الترابي من الدنيا، فيصاب بداء الفساد، ويجري في مسارات محدده حددها له الشيطان، في كل خطوة يخطوها في الدنيا، فيصبح شيطان.

وبين الترابي والنوراني، يتحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة، فإذا استبقت نورانيته ترابيته، كان مخلص طائع لله عنده ضمير حي، يصل به إلى مستوى الملائكة، وإذا استبقت وعلت ترابيته على نورانيته أصبح شيطان وجن أزرق ومارد من نار.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، حيث يعطي الإنسان من خلال وجوده في الدنيا، مفتاح الحياة في الدنيا وفي الآخرة، إذا استبقت نورانيته ترابيته، أمَّا إذا استبقت ترابيته نورانيته، فقد الدنيا ومتاعها القليل ومعها فقد الآخرة بمتاعها الدائم والأصيل.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق