مقالات

(14) الإسلام… والقبلتين

كان مسجد القبلتين بالمدينة المنورة على موعد مع القدر، حيث كان يمثل المكان الذي أراد الله سبحانه وتعالى فيه إحداث تغيير جذري في القبلة في الصلاة، وكان الزمان الذي تم فيه انتقال القبلة من بيت المقدس بالقدس الشريف إلى البيت الحرام بمكة المكرمة وكان هذا الحدث الكبير في صلاة العصر بالمدينة المنورة.

يقع مسجد القبلتين على بعد 4 كلم من المسجد النبوي ويسمى بمسجد بني سلمة ويقع في الطرف الغربي من المدينة المنورة وسمي بمسجد القبلتين لأن جبريل عليه السلام نزل فيه بالوحي من الله سبحانه وتعالى على رسول لله صلى الله عليه وسلم بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في صلاة العصر.

 فتغيرت القبلة بعد قضاء الركعة الثانية في صلاة العصر فغيّر الرسول صلى الله عليه وسلم اتجاه القبلة أثناء أداءه هذه الصلاة جهة البيت الحرام وتبعه المصلّون خلفه فغيروا قبلتهم نحو الكعبة المشرفة ومن ثمّ تقدمهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن وصل أمامهم ليكمل الصلاة، فصلى الركعتين الأولتين ناحية بيت المقدس وصلى الركعتين الأخيرتين ناحية الكعبة المشرفة ولذلك سمي المسجد بمسجد القبلتين.

مسجد القبلتين والروابط الإيمانية

وهذا معناه تعزيز من الروابط الإيمانية بين المسجدين والقبلتين وإعلامًا للجميع، المسلمين وغيرهم أن الصلاة ناحية بيت المقدس كانت في زمانها ومكانها لها نفس الأجر والثواب للصلاة ناحية البيت الحرام في زمانها ومكانها.

لذلك كان المقصود من تغيير القبلة في صلاة في العصر الربط العملي بين القبلتين برباط وثيق، وتأكيد أن أحدهما ليس بأفضل من الآخر عند الله سبحانه وتعالى، فكان لبيت المقدس مكانه ووقته وزمانه ومكانته، ثم انتقلت هذه المكانة وتلك المنزلة إلى البيت الحرام، بأمر من الله سبحانه وتعالى، الذي منح هذه المكانة وتلك المنزلة لبيت المقدس.

وفي نفس الوقت كان إرضاء لرغبات وتطلعات محمد صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى البيت الحرام، مع أن هذا التحول موجود قبل وجود الكون وقبل بناء البيت الحرام وقبل بناء بيت المقدس لكن تحققت رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم مع ما هو موجود قبل أن يوجد فكان التحول إلى البيت الحرام.

تغيير القبلة تجاه المسجد الحرام

وكان الأمر من الله سبحانه وتعالى بقوله تعالى: “فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” (البقرة: 144) وناحيته نتيجة مباشرة لتقلب وجهه صلى الله عليه وسلم في السماء طالبًا من الله سبحانه وتعالى تغيير القبلة إلى البيت الحرام، لأن الوحي يأتي من أعلى والمراد بالوجه الذات كلها فالوجه يعبر عن الإنسان بالتعبير، كما أن اللسان يعبر بالكلام وفيهما الذات والجنان، فهو تعبير الاثنين معًا الوجه واللسان وهذا هو التعبير المادي، أمَّا تعبير نورانية الروح فيشمل الجميع ولكن على مستوى الروح، قال تعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ” (البقرة: 144).

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق