مقالات

(106) الكلمة الفصل… في جمع القرآن الكريم

بعد أن تشبَّع القرآن الكريم بكامل النورانية التي أمدها الله سبحانه وتعالى بها، في المراحل الخمسة النورانية في الملأ الأعلى، مصداقًا لقوله تعالى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إليكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (الشورى: 52).

فكان كل حرف له روح نورانية وكل كلمة لها روح نورانية وكل آية لها روح نورانية وكل سورة لها روح نورانية، ذات مواصفات إلهية خاصة، تختلف تمامًا عن روح الملائكة، وتختلف تمامًا عن الروح التي بعث الله سبحانه وتعالى بها الحياة في الإنسان، فخلق بها آدم وحواء وعيسى عليهم السلام والبشر جميعًا إلى قيام الساعة.

مما يعني أن روح القرآن الكريم، هدية ثمينة وغالية من رب البشر الله سبحانه وتعالى إلى البشر، وهي نموذج متفرد من العطاء غير المتكرر في حياة البشرية وهبة من الله سبحانه وتعالى وهبها  لكلماته في القرآن الكريم، والتي تمثل ميزان ضبط للكون، وفيها أيقونة الحياة وعندما تكون الحياة مقبلة على نهايتها، يختفي قبلها القرآن الكريم من السطور ويمحى من الصدور.

تمتع القرآن بالنورانية

وبعد أن تمتع القرآن الكريم بكل هذه النورانية، وفاضت عليه كل هذه النورانية، في الملأ الأعلى، وامتلأت به أحرفه وكلماته وآياته وسوره، انطلق به جبريل عليه السلام إلى الأرض بأمر من الله سبحانه وتعالى، فكان اللقاء النوراني السادس للقرآن الكريم، والذي انتقل بمقتضاه نور القرآن الكريم، بواسطة نور جبريل عليه السلام إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم، كي يباشر القرآن الكريم مهامه في الأرض لهداية الإنسانية وإصلاح حال الإنسان على نسق الكون وما فيه من مخلوقات.

وفي القرآن الكريم، تحدث الله سبحانه وتعالى عن ذاته وصفاته وأسمائه وكلماته وتحدث فيه عن سائر مخلوقاته من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والطيور والحشرات والنباتات والجمادات والكائنات الدقيقة من الميكروبات والفيروسات والفطريات والطفيليات والكون وما فيه من كواكب ونجوم ومجرات.

وخاطبها على مستوى الجسيمات الأولية داخل الذرة الواحدة وعلى مستوى الذرات داخل الخلية الواحدة وعلى مستوى الجزيء داخل المادة الواحدة، فكيف يمكن توزيع مائة تريليون ذرة داخل الخلية الواحدة ومعها جسيماتها الأولية، ثم إعادة تكوينها وتموضعها على مدار اللحظة، بهذه التريليونات ومضاعفاتها المضاعفة بلا حدود للزمان ولا حدود للمكان.

لكننا لا ندرك طبيعة هذه المخاطبة ولا رد فعل هذه المخلوقات إلا في القليل من الأحيان، ولا ندرك رد فعلها في الكثير من الأحيان، لوجود قصور ذاتي في وسائل إدراك وفهم الإنسان، وعندما يتمكن الإنسان من تطوير وسائل إدراكه، يتمكن من سماع تسبيح الكون لله سبحانه وتعالى وما فيه من مخلوقات، تسبيح حي ومباشر على الهواء.

الهدف من الخطاب

وكان الهدف الواضح من هذا الخطاب، الحرص على بقاء الكون وما فيه من مخلوقات بشكل عام، والحرص على بقاء الإنسان بشكل خاص في حالة استقرار مؤقت، حتى يؤمن له حياة مستقرة مؤقتة في الدنيا، بعدها سوف ينتقل الإنسان إلى الآخرة، فكانت النصائح الربانية  المتوالية والتوجيهات الإلهية المتكررة، تنم عن حب من الله سبحانه وتعالى لخلقه، حماية لحياتهم الدنيا، وتأمين عبور آمن لهم إلى الآخرة في إطار من الإيمان، بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ووحدة الرسالة من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق