مقالات

(103) الكلمة الفصل… في جمع القرآن الكريم

هذه العلاقة الوطيدة بين المكون القرآني والمكون الإنساني، هي التي حققت هذه المعادلة، فخلقت بينهما قوة الجذب في نفس المؤمن الصادق، وقوة التنافر في نفس الإنسان الكافر والملحد والمشرك والمنافق.

وهذه القوي الفاعلة، لها دور كبير في ضبط إيقاع العلاقة بين الروح والجسد بالتجاذب في نفس المؤمن وبالتنافر في نفس الكافر والملحد والمشرك والمنافق، مما يؤكد الدور الفاعل للجسد المادي والروح النورانية.

ومن ثمَّ، فإن نفوذ الروح على الجسد، هو الذي يدير مقدرات النفس بشقيها المادي والنوراني، حيث تمثل الروح النورانية الأصل في إدارة الجسد، بينما يعتبر الجسد وعاء حاضن للروح وحافظ لها، حتى تتمكن من القيام بوظيفتها الأساسية والمتمثلة في إدارة مقدرات الجسد بالحياة، وبها ومنها تكون الطاقة التي تمد الكون وسائر المخلوقات بالغذاء المادي والمعنوي، حتى لا تنهار المخلوقات كلها وتنقرض وتختفي من الوجود.

منظومة الطاقة

فمنظومة الطاقة التي تمد الكون بالقوة الذاتية مركزها الروح النورانية ومحيطها الجسد الترابي، الذي يحافظ على بقاء الكون واتزانه ووجود الإنسان واستمراره في الحياة وتظل الروح محفوظة في الجسد، طالما حافظ الجسد على المواصفات الخاصة بالروح والمعايير الضابطة لبقاء الروح داخله، فتظل الروح شعلة من النشاط والحيوية، فتبعث في الجسد الحياة، بشكل دائم ومتزن ومستمر، وتظل ملتصقة به ما دام في الحياة حياة، وهذا ما يكون النفس الإنسانية وفق هذه الضوابط  الخاصة، وتلك المعايير المنظمة لعمل العلاقة بين الروح والجسد.

وبالرغم من وجود هذه الضوابط وتلك المعايير المنظمة للعلاقة بين الروح والجسد في الإنسان، فإن خروج الروح أولًا من الجسد هو بمثابة إعلان بالموت بعد خروج الروح منه، والتي تبعث فيه الحياة، وهذا يؤدي إلى النقض التلقائي والذاتي لبنية الجسد المادي ثانيًّا، فيموت الجسد وينتهي الإنسان روحيًّا وماديًّا ويختفي من الحياة، فالروح تذهب إلى بارئها الله سبحانه وتعالى والجسد يذهب إلى التراب وتنتهي حكاية الإنسان في الحياة ومع الحياة بالموت.

أمَّا في القتل، فالخلل يحدث أولًا في بنية الجسد وآلية عمله، فينهار الجسد وتنقض بنيته أولًا بالقتل، فلا تستطيع الروح البقاء في بنية مهدومة بعد أن فقدت الضوابط والمعايير اللازمة لوجودها، فأصبحت غير مناسبة لوجود الروح، فتخرج الروح ثانية بعد نقض البنية المادية للجسد وهدمها وبذلك ينهار الجسد بالقتل أولًا ثم تخرج الروح ثانيًا.

الفرق بين الموت والقتل

فهناك فرق بين الموت والقتل، فالموت يبدأ بخروج الروح أولًا، ثم ينتهي بموت الجسد ونقضه ثانيًا، وأمَّا القتل فيبدأ بموت الجسد ونقضه أولًا ثم ينتهي بخروج الروح ثانيًا.

مصداقًا لقوله تعالى: “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ” (آل عمران: 144).

ومن هنا تبدو أهمية الروح في بعث الحياة وفنائها، فنورانية الروح في القرآن الكريم، بأحرفه وكلماته وآياته، تمد الكون بالطاقة الدائمة والمستمرة واللازمة لوجوده والحفاظ على كيانه واسم الله الأعظم وأسماءه الحسنى في القرآن الكريم، لها دور محوري في إمداد الكون بالطاقة اللازمة لبقائه وتمدده ومنعه من الانهيار.

ومع نورانية الروح في الجسد في خلاياه وأنسجته وأعضاءه ونورانية الكون المادي، في كواكبه ونجومه ومجراته ومع سائر المخلوقات الأخرى، مثل الحيوانات والطيور والحشرات والنباتات والجمادات والكائنات الدقيقة من ميكروبات وفيروسات وفطريات وطفيليات، تقوم بعمل صيانة ذاتية جديدة ومتجددة ودائمة، من خلال الطاقة المنبعثة منها، للكون والإنسان وسائر المخلوقات، فتحافظ عليها وتحميها من الانقراض الذاتي وتمنعها من الانهيار.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق