مقالات

(101) الكلمة الفصل… في جمع القرآن الكريم

كما خلق وجمع الله سبحانه وتعالى، الكون بكواكبه ونجومه ومجراته وخلق وجمع، الإنسان  بخلاياه وأنسجته وأعضاءه، فقد وضع الله سبحانه وتعالى، في مكونات الكون والإنسان، القدرة الذاتية على صيانة كل منهما لمكوناته فكلاهما يحتاج إلى صيانة دورية ذاتية دائمة وجديدة ومتجددة على مدار اللحظة في الحياة، حتى يحتفظ الكون والإنسان بوجوده وكيانه وحياته، فلا ينقرض أي منهما إلى أن ينتهي عمرهما الافتراضي في الكون والإنسان.

وإذا كان القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، فإن في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل آية وفي كل سورة من سوره روح، وهذا معناه أن لكل حرف وكل كلمه وكل آية وكل سوره حياتها الخاصة وطبعها المميز، في إطار كلام الله سبحانه وتعالى وليس في إطار خلقه.

قال تعالى: “وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إلىكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الشورى: 52).

الكون بكواكبه

فإن في كل كوكب وفي كل نجم وفي كل درب، حياته الخاصة التي يعيشها في الكون في إطار خلقه، كما أن لكل خلية وكل عضو وكل جهاز حياته الخاصة التي يعيشها في الإنسان في إطار خلقها، ووفاة كل منها قائم وماضٍ إلى قيام الساعة.

فالله سبحانه وتعالى، يتوفاها بالدرجة الأولى، وملك الموت يقوم بهذه المهمة بالدرجة الثانية، وأتباعه يقومون بهذه المهمة بالدرجة الثالثة.

قال تعالى: “قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ” (السجدة: 11).

وقوله تعالى: “وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عليكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ” (الأنعام: 61).

وإذا كان الله سبحانه وتعالى يتوفى الأنفس البشرية بالدرجة الأولى على مستوى الخلية والعضو والجهاز في الإنسان، فإنه يتوفى الكوكب والنجم والمجرة، على مستوى الكون.

قال تعالى: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ علىهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الزمر: 42).

والله سبحانه وتعالى، يمحو الحرف والكلمة والآية من القرآن الكريم في نهاية الزمان، ولكن الفرق الجوهري بين حياة القرآن الكريم وحياة الكون والإنسان، أن حياة القرآن الكريم دائمة قائمة غير منقطعة وثابتة لا تتغير ولا تتبدل بمرور الزمان، على غير الذي يحدث في الكون والإنسان.

انهيار الكون ونهاية الإنسان

وعندما يحين موعد انهيار الكون ونهاية الإنسان، يرفع القرآن الكريم من السطور وينزع ويمحى من الصدور وتنتهي الحياة بانتهاء وجود القرآن الكريم في الكون، وزوال الكون والإنسان، حينها تقوم القيامة وتقع على شرار الخلق، بعد أن فقد القرآن الكريم وظيفته وقيمته في هداية البشر وضبط أخلاق الناس وأمورهم على منهج الله سبحانه وتعالى.

وقد أشارت الكثير من آيات القرآن الكريم إلى ذهاب القرآن الكريم من الأرض واختفائه من السطور ومحوه من القلوب والعقول في آخر الزمان وقبل قيام الساعة.

قال تعالى: “وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا” (الإسراء: 86) وخروج الدابة بعد رفع القرآن الكريم الكريم من الأرض.

قال تعالى: “وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عليهِمْ أَخْرَجَنا لَهُمْ دَابَةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوْقِنُون” (النمل: 82).

وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويرفع الله عزّ وجلّ القرآن من الأرض فلا تبقى منه آية في المصاحف والصدور، والله يغار أن يبقى كتابه في الأرض بلا فائدة لا يُعمل به فيحدث هذا الأمر” رواه البخاري ، وعن عبد الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: “لَيُسْرَيَنَّ عَلَى الْقُرْآنِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلا يُتْرَكُ آية فِي مُصْحَفٍ وَلا فِي قَلْبِ أَحَدٍ إِلا رُفِعَتْ” أخرجه الدارمي بسند صحيح.

العمر الافتراضي لوجود القرآن

وهذا معناه، أن العمر الافتراضي لوجود القرآن الكريم ماضٍ إلى أن يُمحى من السطور ويُرفع من الصدور، فيمر بدائرة الحياة والموت مرة واحدة في نهاية الزمان، وليس مثل الكون والإنسان وسائر المخلوقات، التي يطالها التجديد والصيانة الذاتية على مدار اللحظة، وتمر بدائرة الحياة والموت في كل الأوقات على مدار الحياة، وفي آخر الزمان يختفي  القرآن الكريم وينهار الكون ويختفي الإنسان في نهاية الحياة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق