مقالات

(20) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

إذا أضفنا النوم والوقت الذي يستغرقه بصفته الموتة الصغرى، في حياة الإنسان في الدنيا، إلى عملية الصيانة الذاتية، التي تمثل في جوهرها الموت، فإننا نلاحظ أن الموت له دور بارز ومحوري في الحفاظ على حياة الإنسان في الدنيا، ومقدراته في الدنيا في إطار الحيا.

فكرات الدم البيضاء وخلايا الجلد الملونة، تتغيير كل أسبوعين، بخلايا جديدة بنفس مواصفات الخلايا القديمة، والجلد يتغير كل شهر، بجلد جديد بنفس مواصفات الجلد القديم، وكرات الدم الحمراء تتغير كل ثلاثة أشهر بكرات دم حمراء جديدة بنفس مواصفاتها القديمة، والجسم يتغير كل ثلاثة أشهر، فيكون إنسان جديد بمواصفات الإنسان القديم، في إطار البعث والفناء.

ثم تذهب كل هذه المكونات في مسارات متعدده في إطار ثلاثة نسخ، فالنسخة الأصلية القديمة تحفظ في خلايا الذاكرة، والنسخة الجديدة تحل محل النسخة القديمة وعلى أنقاضها، ثم النسخة القديمة بعد حفظها تتحلل وتعود إلى الكون في سلسلة متصلة الحلقات في الكون، وفي النسخ الثلاثة، يسجل على الإنسان كل تصرفاته وأفعاله بالصوت والصورة والفيديو.

قال تعالى: “هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (الجاثية: 29).

فالمراقبة الذاتية قائمة على قدمٍ وساق، وإذا كان الله قد خلق الإنسان من الموت، فهذه القدرة الخارقة والقوة المهيمنة، تراقب هذا الإنسان الهش الضعيف في كل أحواله، في نومه ويقظته وأحلامه، وفي كل مخلفاته التي يدوره جسده بشكل خاق، ويجدد بها خلاياه وأعضاءه.

علاقة الإنسان بالحياة والموت

فهل ما ينطبق على الإنسان في الدنيا من علاقة بين الحياة بالموت، ينطبق على الإنسان في  الآخرة من علاقة بين الموت والحياة، بمعنى أنه إذا كان الموت ملازم للحياة في حياة الإنسان، باعتبار الحياة هي جوهر الإنسان في الدنيا، فإنه وعلى هذا القياس من الممكن أن تلازم الحياة الموت بصفة الموت جوهر الإنسان في قبره، وهو في طريقه إلى الآخرة.

وهذا معناه أن الحياة في الدنيا، يتقاسم فيها الحياة مع الموت، بينما الحياة في الآخرة يتقاسم فيها الموت مع الحياة، وكلاهما الحياة والموت في الدنيا، والموت والحياة في الآخرة، يمثلان ضرورية من ضروريات وجود الحياة الدنيا ووجود الحياة الآخرة ، ولكن إذا كان الموت ضروري من ضروريات الحياة في الدنيا، فما قيمة وجود حياة مع الموت في الآخرة؟

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالموت ضرورة من ضروريات الحياة في الدنيا، والحياة ضرورة من ضروريات الموت في الآخرة، في وجود النسخ الثلاثة الأصلية، في ذات الحياة وفي ذات الموت، في الدنيا والآخرة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق