مقالات

(18) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

إذا كانت الموتة الصغرى التي تلازم الإنسان منذ ولادته وساعة خروجه من الرحم الصغير، إلى الرحم الكبير المتمثل في الكون وما فيه من مخلوقات، فإن الموتة الكبرى في الآخرة لا تخلوا من الحياة الصغرى التي تضبط ميزان الموت في الآخرة، ولولا وجود الحياة الصغرى، في الآخرة ما بقيت ولا استمرت الموتة الكبرى، فهذا معناه أن هنا في الحياة الدنيا، حياة كبرى وموتة صغرى، وهناك في الحياة الآخرة، موتة كبرى وحياة صغرى.

وما بين الحياتين في الدنيا والآخرة وما بين الموتتين في الآخرة والدنيا، يتقلب الإنسان بين رحمة الله ومنه وكرمه، فضبط ميزان الحياة الكبرى مع ميزان الموتة الصغرى في الحياة الدنيا، وضبط ميزان الموتة الكبرى مع ميزان الحياة الصغرى في الحياة الآخرة، آية عظمى من آيات الله في خلقه، فكيف يخلق الحياة الدنيا من مزيج من الحياة والموت؟.. وكيف يخلق الحياة الآخرة من مزيج من الموت والحياة؟

بل وكيف يخلق الله الحياة الدنيا من الموت والعدم؟.. وكيف يخلق الله الموت في الآخرة من الحياة في الدنيا؟.. وكيف يخلق الحياة مرة أخرى في الآخرة من الموت.

قال تعالى: “كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلىهِ تُرْجَعُونَ” (البقرة: 28).

فموت ثم حياة ثم موت ثم حياة، فكانت إرادة الله سبحانه وتعالى، فكانت موتتان وحياتان فبدأ بالموتة الأولى قبل الخلق والموتة الثانية بعد الخلق، ثم الحياة الأولى بعد الموتة الأولى، والحياة الثانية بعد الموتة الثانية، بكن فيكون فمن رحم الموت كانت الحياة ومن رحم الحياة كان الموت.

قال تعالى: “قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ”.

عدم فهم طبيعة الأحداث

صحيح نحن البشر، لا نفهم طبيعة الأحداث التي تحدث في الآخرة وتتوالى تباعًا، إلا بقدر ما قال الله وقال رسوله، وعلمنا إياه، ولكن بتطبيق معايير الدنيا التي يعيشها الإنسان، يمكن أن نستنبط الكثير من المعاني التي يجب أن يتوقف عندها فكر الإنسان طويلًا في الدنيا ويلقي عليها نظرة فاحصة، من أجل عمل مقارنة ومقاربة بين أحداث الدنيا التي بدأت بالخروج من الرحم وانتهت بالخروج من الدنيا والدخول إلى القبر في الآخرة.

وما بين الحفرتين “الرحم والقبر”، يعيش الإنسان فترة محدودة من الزمان، حتى ولو كانت مائة عام بعمر زمانه، فالمائة عام بلفظ القرآن الكريم تساوي دقيقتين، وبلفظ السنة النبوية تساوي تكبيرة إحرام أي لحظة رفع اليدين وخفضهما وإذا قارنتها بعمر الأرض البالغ ثلاثة مليار وسبعمائة وخمسين مليون سنة، تجد أن المائة عام هي والعدم سواء، فما بالك بعمر الشمس ودرب التبانة والكون.

وبالرغم من كل ذلك، فإن الحياة الدنيا تمثل مفتاح الحياة الآخرة، ولولا الحياة الدنيا ما كانت الحياة الآخرة، وهذا معناه أن حياة الإنسان في الدنيا ووجوده فيها، بالرغم من قصرها تمثل معجزة كبرى وآية عظمى من آيات الله سبحانه وتعالى، وفرصة عظيمة وهبها الله للإنسان، ومنَّ بها عليه.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالحياة في الدنيا متعلقة بالموتة الصغرى، بينما الحياة في الآخرة متعلقة بالموتة الكبرى وكلاهما الموت في الحياة، والحياة في الموت متعلقان مع بعضهما البعض الآخر، وهذا وجه الإعجاز في خلق الله.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق