مقالات

(17) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

تطوي الحياة الآخرة الحياة الدنيا بالموت في لحظات في مشهد متكرر، أمام أعين البشر جميعًا منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، وفي غمضة عين وسرعة من البرق الخاطف دون ضجيج أو افتعال، ويذهب كل إنسان فجأة إلى القبر وحيدًا رغمًا عن أنفه وأمام أهله، بلا زيادة أو نقصان في عمره، بعد أن تخلى عنه أهله وعشيرته والخلان، فأصبح في خبر كان فلن تنفعه الدنيا بزخارفها ومتاعها الزائل، ولم ينتفع منها بشيء إلا بقدر ما قدم من أعمال صالحة في طاعة الله.

لكن من الملاحظ في هذا العنوان في أن الدنيا متعلقة بالموت في الحياة، كما أن الآخرة متعلقة بالحياة في الموت، فلا تخلوا الدنيا من وجود الموت في كل لحظة في الحياة، ولولا الموت في الدنيا ما كانت الحياة الدنيا، ولولا الموت في حياة الإنسان، ما عاش الإنسان لحظة واحدة من الزمان وغياب الموت يؤدي إلى انقراض الحياة واختفاء الكون في لحظات.

الحياة الآخرة والحياة الدنيا

ففي الحياة الدنيا، يموت الإنسان كل لحظة، حتى توهب له الحياة، فيدخل في دورات متوالية من الموت، كل يوم وبشكل متكرر في حياته وهو في الحياة، فالنوم يمثل الموتة الصغرى في الدنيا والأحلام، التي تضبط ميزان الحياة في الدنيا، وهي تدريب عملي واقعي على أرض الواقع في الدنيا قبل الموتة الكبرى التي تنتهي بوفاة الإنسان وتركه للحياة، والتي على آثارها يغادر الإنسان الحياة الدنيا بلا رجعة إلى الحياة الآخرة.

فالحياة والموت متلازمان في الدنيا وفي الآخرة في الظاهر متضادان، وفي الباطن متكاملان في البعث وفي الفناء، فلولا البعث في الدنيا الذي تمثله الحياة ما كانت الحياة، ولولا الفناء المؤقت في الدنيا، الذي يلازم البعث والمتمثل في النوم، ما كانت الحياة التي يحياها الإنسان.

وفي حياة الكون وآلية عمل الصيانة الذاتية فيه وما فيه من مخلوقات، معنى الحياة ومعنى الموت، والتي تتغيير على مستوى اللحظة يتناولها ويتناوبها برنامجي البعث والفناء، كما يحدث في الإنسان على مستوى الجسيمات الأولية والذرات داخل الخلية الواحدة، وفي داخل الخلايا والأنسجة والأعضاء والأجهزة التي تتجدد باستمرار، فيموت القديم ويحيا الجديد من القديم الميت في سلسلة متصلة الحلقات.

قال تعالى: “يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ” (الروم: 19).

موت الإنسان

فلا غرابة إذا أن يموت الإنسان وهو على قيد الحياة، فنصف حياته في الدنيا حياة والنصف الآخر من حياته في الدنيا موت، والذي ينحصر في النوم والبعث والفناء الذي يتحكم في مسيرة حياته وعملية الصيانة الذاتية، منذ أن كان خلية واحدة مخصبة في الرحم ثم جنين كامل، ثم في أطوار عمره المختلفة والتي يطارده فيها الموت، إلى أن تنتهي حياته بالموت الذي يفر منه.

قال تعالى: “قلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (الجمعة: 8).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالحياة والموت متلازمان في الدنيا والآخرة، فلا يطغى الموت على الحياة في الدنيا، ولا تطغى الحياة على الموت في الآخرة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق