مقالات

(15) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

بالرغم من حفظ حياة الإنسان المادية في جسده والمعنوية في روحه، وكلها أمور جادة وحقيقية وواقعة على أرض الواقع، والتي لولاها ما عاش الإنسان لحظة واحدة في الحياة، ولولا توفرها ووجودها في الكون، ما وجدت حياة ولا عاشت مخلوقات في الكون، ولأدى كل ذلك إلى انقراض الحياة وما فيها من مخلوقات وانتهاء الحياة.

فلا معنى للحياة ولا معنى لوجود للإنسان في غياب الهواء والماء والطعام، ولا معنى للحياة ولا وجود للإنسان في غياب الرابط بين الأرض والسماء والمتعلق بمعرفة الله وهداية الناس إلى الصراط المستقيم، فيحدث الانسجام بين الكون وما فيه من مخلوقات والإنسان خليفة الله في الأرض.

ومع ذلك وبالرغم من كل ذلك، حول الإنسان حياته إلى تمثيلية، تُدار بواسطة أشباه ممثلين من الكمبارس واللصوص والحرامية، ففوجئ الناس أن كل شيء في الحياة مجرد تمثيلية غير حقيقية، ليس لها علاقة بالحقيقة والواقع، في الكون وما فيه من مخلوقات من قريب أو بعيد.

انحراف الحياة عن الهدف المرسوم لها

فانحرفت الحياة عن الهدف المرسوم لها، والذي من أجله وجدت، فبدلًا من أن تصبح حياة حقيقية في طاعة الله وشكره على نعمه، تمكن الشيطان من إغواء عامة البشر وخاصتهم من الحكام والسلاطين والملوك والأمراء والملأ من القوم، فأصبحوا أداة للفساد والإفساد والتحول السريع إلى الطغيان، بدلًا من إقامة العدل بين الناس.

وهذه الحالة المرضية الحادة والمزمنة، لخصها الرسول صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة وهي الرويبضة، قال صلى الله عليه وسلم: “سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة” رواه أحمد وابن ماجه.

وعلى إثر ذلك أصبحت الحياة الدنيا كلها تمثلية يديرها الرويبضة من الفاشلين والفاسدين والمتسلقين على كرسي السلطة من الأبواب الخلفية من الغوغاء وتعشش فيها العشوائية، فضاعت قيم وأخلاق الإنسان أو ضيعت بفعل أهل الظلم والطغيان، فظهر على سطحها كل  مساوئ الإنسان وما خفي عنه كان أعظم.

الرويبضة تؤثر على حفظ حياة الإنسان

فالرويبضة مرض مزمن وخطير قاتل، أخطر من كل الأمراض والأوبئة التي تعرضت لها البشرية على مدار تاريخها الطويل، ظهر في كل من تولى المسئولية ومن حوله في دوائر متصلة المركز والأطراف، والذي لا هم له إلا مصلحته الشخصية، بعد أصبحت الأنانية طريقه في الحياة والواسطة والمحسوبية، أبوابه الخلفية لتحقيق مآربه الشخصية، من أجل الهوى والنفس الأمارة بالسوء والشيطان، فكان التحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم شديد اللهجة، من سلوك المسلم، طريق الرويبضة أو العمل بعمله أو التشبه به أو الوقوع في شباكه وفخاخه الرخيصة، لأنها تفقد الإنسان الدنيا في حياته وتنعيه الآخرة بعد مماته، فحذارى من الوقوع في شباك الرويبضة.

والرويبضة لا يكتفي بإضاعة القيم وهدم الأخلاق وتدمير المبادئ الإنسانية ومنع قيم الإسلام من الوجود على أرض الواقع بحجج واهية حفظها عن ظهر قلب وهي المعيار في الاختيار لمن اختاروه في السلطة، اعتقادًا منه أنها تصب في مصلحته في نهاية المطاف، وإنما الرويبضة أخطر من ذلك بكثير، لأنه تعدٍ على مجمل حياة الإنسان، فهو يقتل النفس الإنسانية، فالجسد يعومه بالفساد والروح يقتلها بإشاعة الفساد، فيتحول الإنسان بفعل الروبيضة إلى جثة هامدة لا جسد ولا روح فيها ولا حياة ولا حراك، حتى وإن كانت جوارحه تنبض بالحياة.

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء: 29).

الفوضى تضرب العالم

وتمكن الرويبضة من الأشرار من السلطة، التي أصبحت كالغثاء لا قيمة لها ولا وزن ولا معنى ولا وجود، بعد تقدم الأشرار واختفاء الأخيار، فعمت الفوضى في أنحاء العالم، وأصبح على حافة الانهيار، بعد أن ضربها زلزال من الظلم وبركان من الطغيان قابل للانفجار في أي لحظة، بسبب الفوضى والعشوائية التي يتميز بها الإنسان.

قال تعالى: “أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ” (الرعد: 17).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فأصبح عنوان الإنسان الرويبضة، إشاعة الفشل والفساد في كل مجال، وبه تحوَّلت السلطة إلى منظومة من الفشل والفساد في سلسلة متصلة الحلقات فحول الحياة إلى تمثيلية، بدلًا من كونها حقيقة واقعة ولكنها تذهب سريعًا كما ذهب غيرها.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق