مقالات

(3) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

معنى هذا أن معرفة الطب عن الإنسان وتكوين الجنين ومسار حياته داخل الرحم، محدودة الأثر إلى درجة العدم، وفي نفس الوقت فإنَّ معرفة الطب عن حياة الإنسان ومسار حياته خارج الرحم، محدودوة الأثر إلى درجة العدم أيضًا.

وهذا معناه أن العلم عن الإنسان في الروح والجسد مبهم وغير معروف على الجسد المادي، فما بالنا بالروح النورانية التي تدير المشهد كله من وراء ستارة.

وعندما يخرج الإنسان إلى الدنيا من الرحم، يخرج منه بشكل غامض ومبهم، ومعه القليل من المعلومات الشحيحة عنه وعن مسار حياته داخل الرحم، والتي يكتنفها الكثير من الغموض والذي يحتاج إلى مزيد من الفهم ومزيد من الإيضاح، عن طريقة بناء الجنين وتكوينه وتصويره وفي المسار الذي يتخذه ويسلكه في حياته داخل الرحم.

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ” (الانفطار: 6- 8).

فكل المعلومات عن الجنين داخل الرحم هشة وضعيفة، مثل ضعف بنيته، فهو فاقد لكل وسائل إدراكه عدا السمع، فيسمع لكن لا يبصر ولا يتكلم ولا يشم ولا يتذوق ولا يحس ويتنفس فجأة فتعود فيه الحياة، ولكنه قليل الحيلة شديد الغرابة، فيعاني معاناة شديدة في بداية حياته، حتى يتمكَّن من استيعاب جزء من هذه الحياة عند البلوغ، ثم مرَّ بالمراحل المختلفة في الحياة.

من طفل رضيع عند عامين يعتمد على أمه إلى طفل عند سبع سنوات يعتمد على نفسه، ثم إلى صبي عند عشر سنوات، ثم إلى فتى عند اثنى عشر سنة، ثم إلى مراهق عند أربعة عشر سنة، ثم إلى بالغ عند سبعة عشر سنة، ثم إلى شاب عند تسعة عشر سنة.

ثم إلى رجل من عشرين إلى أربعين سنة، ثم إلى كهل من أربعين إلى ستين سنة، ثم إلى شيخ من ستين إلى ثمانين سنة، ثم إلى أرذل العمر من تمانين إلى مائة عام، وفي كل هذه المراحل المختلفة يمر بفترات من القوة والضعف ثم تنتهي حياته بالضعف والوهن وبعدها يغادر الحياة.

لكن في مسار الإنسان في الحياة، في هذه المراحل المختلفة، يظل اللغز قائمًا ومحيرًا، فعلاقة الجسد بالروح مجهولة وعلاقة روح بالجسد مجهولة.

والأمر المدهش، أن كلاهما الروح والجسد، يتسابقان في سباق محموم من أجل الحفاظ على حياة الإنسان في الروح والجسد، حتى يظل في الحياة.

لكن الأمر الأكثر دهشة وغرابة، ما يحدث في مراحل نموًا الإنسان المختلفة، التي نراها أمام أعيننا، ونرى فيها نمو الإنسان في المبنى المتمثل في الجسد، ولكن لا نرى نموًا في المعنى المتمثل في الروح، بالرغم من أن الروح هي المسيطرة والمهيمنة على مقدرات الجسد، فهي التي تبعث فيه الحياة بالحياة وتسلب منه الحياة بالموت.

لكن من العجيب حقًا ومن المدهش الواقع فعلا، أن نرى الإنسان يتقدم على مستوى الجسد ويتغير في مراحله العمرية المختلفة بعد أن كان جنينًا، فخرج الدنيا ينتقل فيها من طفل رضيع إلى طفل إلى صبي إلى فتى إلى مراهق إلى بالغ إلى شاب إلى رجل إلى كهل إلى شيخ إلى أرذل العمر، ولكن لا نعرف شيء عن مسار الروح داخل الجسد في هذه المراحل المختلفة.

لكن من الأكثر دهشة والأكثر عجبًا في خلق الإنسان في أن ترى البرنامج الذي يدير حياة الإنسان، منذ أن كان جنين فخرج إلى الحياة بمراحلها المختلفة، فلا يرتد على عقبيه، فيصبح الشيخ كهل والكهل شاب والشاب بالغ والبالغ مراهق والمراهق فتى والفتى صبي والصبي طفل والطفل إلى طفل رضيع والطفل الرضيع إلى جنين.

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فالمعلومات المتوفرة علميًا عن مسار الجنين داخل الرحم، قليلة وشحيحة إلى درجة العدم، والمعلومات عن مسار الإنسان خارج الرحم في مراحله المختلفة إلى نهاية الحياة هي والعدم سواء.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق