مقالات

(2) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

يمر الجنين بمراحل كثيرة من الضعف والوهن، داخل الرحم الذي يعتمد عليه في كل حياته داخله، فيأخذ منه شكله وتكوينه وبصمة خلاياه وأنسجته وأعضاءه وأجهزته، ويترك أثره على طبيعة رص وترتيب خلاياه الهشة وتجميعها، في صورة أنسجة وأعضاء وأجهزة، مكونة جسم الإنسان، الظاهر المادي والخفي النوراني المتعلق بالروح.

يعرف الطب شكل الخلايا المادية ومكان تكوينها في الجسم، فخلايا الجلد تتكون في الجلد وتنتج مواد في الجلد، غير خلايا الخصية الموجودة في الخصية خارج الجسم، وتنتج الحيوان المنوي، غير خلايا المبيض الموجودة داخل جسم المرأة وتنتج البويضة، غير خلايا المخ وخلايا القلب وخلايا الرئة وخلايا الكبد وخلايا الكلى وخلايا العظام وخلايا الدم وهكذا.

وكل خلية من هذه الخلية، يعرف الطب عنها جزء ضئيل جدًا من وظيفتها المادية وطريقة عملها، لا يتعدى أقل من 0.01% بينما المجهول منها أكثر من 99.99 %، وحتى المكون المادي المعروف والذي يُمثِّل أقل من 0.01%، المعلوم منه، أقل من 0.01% والمجهول منه أكثر من 99.99% في سلسلة متصلة الحلقات.

وهذا معناه أن الطب، كلما خرج من عدم دخل في عدم أعقد منه، لأن البشر لم يشاهدوا خلقهم في البداية، قال تعالى: “مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” (الكهف: 51).

فكما أن الإنسان يتكون من مادة وروح، فهذا حديث الخلية المادية، والتي لا يعلم الطب عنها شيء، أمَّا الحديث عن الخلية النورانية المتمثلة في الروح، والتي تمثل الجزء الآخر من الإنسان، فلا يعرف الطب عنها شيء، لا عن مكان وجودها ولا عن طبيعة عملها، وإنَّما هي من قبل التخمينات والبديهيات والاستنباطات في سلم العلم، ولكنها لا ترقى إلى العلم الذي يستند على حقيقة واقعة وتستطيع أن تقيم عليها دليل مثل الأرض كروية.

لكن لخلية الروح شأن آخر في إدارة خلية الجسد، دون معرفة وجودها أو رؤيتها بالرغم من أنها هي المسيطرة والمهيمنة على الخلية المادية، بعد أن تمَّ معايرة الروح بالجسد في موقع إعجاز  بشكل مادي، فكانت الروح تُمثل 99.99%، بينما الجسد يمثل أقل من 0.01%.

وهذا المقياس بين الروح والجسد يُعتبر مقياس بين الخلية النورانية التي تمثل 99.99%، بينما الخلية المادية التي تعبر عن الجسد، أقل من 0.01%.

قال تعالى: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” (الإسراء: 85).

فالخلية النورانية المعبرة عن الروح والتي تدير الخلية المادية المعبرة عن الجسد، لا يمكن رؤيتها تحت الميكرسكوب، وكل الخلايا التي يراها الطب تحت الميكرسكوب، هي نموذج للخلية المادية، ولكن الخلية النورانية التي تدير المشهد من وراء ستارة مختفية ومغروسة في مكونات الخلية المادية النموذج وليست الأصل.

فالأصل في الخلية النورانية المعبرة عن الروح وليس الأصل في الخلية المادية المعبرة عن الجسد وهذا هو النموذج.

قال تعالى: “وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 25).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فخلية الجسد المادية في الإنسان وخلية الروح المعنوية مبهمة وغامضة، والمعرفة عنهما في نطاق العلم تصل إلى درجة العدم.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق