مقالات

(6) الإنسان… بين الدنيا والآخرة

هذا معناه أن الذرة بشقيها المادي والنوراني، وما فيها من جسيمات أولية وطاقة مظلمة ومادة مظلمة، تتحكم في إدارة الكون وما فيه ولا نعرف عنها شيء، وقدرة الإنسان في الوصول إلى الذرة ومكوناتها، يُعطينا معنى هام جدًا وخطير، وهو أن الله سبحانه وتعالى قد كشف للإنسان بعض من أسرار الكون، حتى يدرك أن الله هو الذي خلق هذا الكون وما فيه من مخلوقات، وهو الذي يمنعه من السقوط والانهيار بالرغم من هذا الفراغ الهائل الذي يملأ جنباته.

بل إن الإشارة في الآية القرآنية العظيمة، التي تتحدث عن الذرة وملحقاتها، كانت موجهة إلى الإنسانية بشكل عام وإلى الإنسان الكافر بشكل خاص، الذي يستر وجود الله ولا يؤمن بالبعث في الآخرة، فأظهر الله له بعض من أسراره في الذرة، حتى يوقن بأن الساعة آتية لا ريب فيها.

قال تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (سبأ: 3).

معنى هذا أن كل شيء في الكون غيب عن الإنسان، حتى العلم الذي يتحدث عنه العلم، غيب في أصله وجوهره، ومشاهده المحدودة والتي يصل فيها حجم المعرفة إلى درجة العدم، فالعلم والمعرفة، التي عرفها الإنسان عن الكون والإنسان، يمثل الهامش المحدود الذي لا يغني عن الغيب شيء في ذاته اللا محدودة، بالرغم من مجمل أبحاثه المادية المحدودة.

وإذا كان أصحاب العلم من العلماء الحديث، لا يملكون شيء حقيقي، في حدود العلم المعروف والمبني على نظريات وليس حقائق علمية دامغة، فإن من يدعي الإشراك بالله، ومن يتخذ مع الله ندًا أو شريك، لا يملك هو ولا الشريك الذي يدعيه شيء من السماوات والأرض على مستوى مثقال الذرة في الجسيمات الأولية داخل الذرة، فهل يملكون الذرة بالطبع لا.

قال تعالى: “قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ” (سبأ: 22).

حتى عد الحسنات وتصنيف السيئات في الدنيا وتسجيلها، على مستوى الذرات والجسيمات الأولية في مثقال ذرة بالصوت والصورة والفيديو، سوف يتم الحساب عليها في الآخرة، ودفع فاتورتها بالثواب أو بالعقاب وهي موثقة ومدموغة في داخل خلايا الذاكرة في الإنسان، وفي جنبات الكون بشكل إلهي.

قال تعالى: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” (الزلزلة: 7- 8).

فحجم الخلية البشرية في المتوسط يبلغ 50 ميكروميتر، والميكروميتر الواحد يساوي واحد من مليون من الميتر، بينما هذه الخلية الواحدة تحتوي على مائة تريليون ذرة، حجم الذرة بمعيار العلم الحديث، واحد من مليار من الميتر، بينما يصل حجم الجسيمات الأولية داخل الذرة الواحدة، والتي يصل عددها إلى أكثر من مائة جسيم أولي وهي التي تمثل مثقال ذرة والتي سوف يحاسب عليها الإنسان، يصل حجم المثقال ذرة واحد من تريليون من الميتر، أما حجم ما هو أصغر من الجسيمات الأولية وأصغر من مثقال ذرة، فإن حجمها يصل إلى واحد من ألف تريليون من الميتر.

فهذا أمر جلل وخطير جدًا على حاضر الإنسان في الحياة، وأشد خطورة على مستقبل الإنسان في الآخرة بعد الموت، في أن يكون محور الحساب على عمله في علم الإنسان المادي، على مستوى الخلية المادية وما فيها من الذرة والجسيم الأولي داخل الذرة والذي يمثل مثقال ذرة، وعلى مستوى أصغر من مثقال ذرة وهو الظاهر.

فما بالنا بالغيب الذي لا نعرف عنه شيء على مستوى الخلية النورانية وما فيها من الذرة والجسيمات الأولية في مثقال ذرة وما هو أصغر من مثقال ذرة.

قال تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” (الأعراف: 172-173).

وهذا فيه إعجاز هائل وعظيم، فمجمل الحساب على الإنسان في الدنيا والآخرة، يعتمد في محوره على الذرة المادية والنورانية، ومكوناتها في مثقال ذرة وفي ما هو أصغر من مثقال ذرة.

الدكتور عبدالخالق حسن يونس، أستاذ الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب بجامعة الأزهر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق